ابن حجة الحموي

110

خزانة الأدب وغاية الأرب

والله ما طال تذييل اللقاء بهم * يا عاذلي وكفى بالله في القسم التذييل هو أن يذيل الناظم أو الناثر كلاما بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتجري مجرى المثل بزيادة التحقيق والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده ومن أعظم الشواهد عليه قوله تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج كلامه مخرج المثل السائر ومثله قوله تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور فالجملة الأخيرة هي تذييل خرج في الكلام مخرج الأمثال التي ليس لها مثيل وقوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ففي هذه الآية الشريفة تذييلان أحدهما قوله تعالى وعدا عليه حقا فإن الكلام كان قد تم قبل ذلك وحسن السكوت عليه والآخر قوله تعالى ومن أوفى بعهده من الله فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر ووقع ذلك في السنة الشريفة وهو قول النبي من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ولا يهلك على الله إلا هالك فقوله لا يهلك على الله إلا هالك هو التذليل الذي تتعلق البلاغة بأذياله وخرج الكلام فيه مخرج الأمثال وهذا التذليل انفرد بإخراجه مسلم ومن هذا الباب قول النابغة ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب اتفق أهل البديع على أن قوله أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر لأنه خرج مخرج المثل ومثله قول بعض العرب ودعوا نزال فكنت أول نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل فعجز هذا البيت كله تذييل وهو في غاية الكمال ولقد أحسن بعضهم في هذا الباب حيث قال صدقتك الود أبغي الوصال * وليس المكاذب كالصادق فجازيتموني بطول البعاد * وكم أخجل الحب من واثق فكل من عجزي البيتين تذييل وخرج الكلام فيهما مخرج المثل وأحسن منه قول الحطيئة نزور فتى يعطي على الحمد ماله * ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل وصدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده وفيه أيضا مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله يعطي ويعط وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة ورابطة وثيقة قال ابن أبي الأصبع عجز هذا البيت إذا انفرد استقل مثلا وتذييلا كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت والغرض المطلوب من التمثيل أيضا وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص وأهنتني فأهنت نفسي عامدا * ما من يهون عليك ممن يكرم فعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة ومن بديع التمثيل قول ابن نباتة السعدي لم يبق جودك لي شيئا أؤمله * تركتني أصحب الدنيا بلا أمل فإنه استوفى ما أراده من المدح في الشطر الأول ثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحسانا وتوكيدا فأخرجه مخرج المثل السائر حيث قال تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض قال